أدب وفن

خلوة الكبار

يمنات

محمد سعيد حميد

لهث حتى تدلّى لسانه تحت ذقنه من فرط الجري. كان يهرول نحو قاعة الاجتماع الاستثنائي، التى زُيّنت بالشعارات والأعلام وصور الشهداء والجرحي، بصفته المتحدّث الرئيس. لم يتعرّف عليه الحضور؛ فقد كان، فى أيامٍ خلت، أشعثَ الشعر، نحيلَ الجسد، أما الآن فقد بات متخما، يسبقه كرشٌ كبالونة عيد ميلاد.

حاول أحد الحاضرين رسمه، لكن ريشته تجمّدت عند الكرش؛ يقيسه أفقيا وعموديا، ينقّط وينمّق، من دون أن يفلح فى رسم استدارته أو استطالته. تمتم فى سرّه:

«لو نُشرت هذه اللوحة لفقدت معناها، إذ لا خيال يعلو على واقع يتجاوز كل تصوّر.»

اعتلى الشيخ المنصّة، وهو الذى لم يُكمل المرحلة الأساسية من دراسته، وشرع يتحدث عن تعقيدات المرحلة ودمار الحرب التى لا يتمنى لها نهاية فى قرارة نفسه. تحدّث عن أسرٍ تقتات من الأرصفة، وقال بنبرة صارمة:

«هذا لا يرضى الله، ولا رسوله، ولا يرضى أحدا منكم، وعلينا أن نستشعر معاناتهم!»

طالبهم بالصبر، وأوهمهم بأن النصر قريب. وكلما ارتفعت التصفيقات، لمحته يبتسم بطرف عينه لِمَن لا نراه، كأن ظلّا ما يهمس له من خلف الستار، يشد أزره ويشعل حماسته. لم يكن يسكت إلا ليُصغي، لا إلى الحاضرين، بل إلى همساتٍ لا يسمعها أحدٌ سواه.

فى تلك الليلة، جافانى النوم. ظللت أسترجع حديثه، مقنعا نفسى بأنه يعيش على فتات خبز وعلبة زبادي، كما ردد على لسانه. استشهد بالآيات والأحاديث، فلامس قلبى وسحرنى منطقه، وصرت أتبعه من مجلس إلى آخر حتى لا تفوتنى موعظة، إلا أثناء خلوة الكبار التى لا يُسمح لغيرهم بالاقتراب منها.

وهكذا وجدت نفسى حاضرا، مستمتعا بطلاقة لسانه وحلاوة بيانه أينما ذهب، حتى قيل إننى مسحورٌ به. لكن شيئا فشيئا، تسللت إليّ أخبار لم أشأ تصديقها. فقدت بسببها أصدقاء، وتشاجرت مع بعضهم.

وذات ظهيرة، رأيت حشدا يتدافعون، والشتائم تتطاير كالشظايا. حاولت التسلل إلى قلب الحدث، كأيّ شخص يقتله الفضول، لا يستطيع المرور بالمشهد مرور الكرام. فإذا بى أرى جثة طفل على الرصيف، دهسته سيارة ثم لاذت بالفرار. قيل إن الجانى مراهق طائش، والناس تركض للحاق به والانتقام منه، لكنه أفلت من أيديهم مسرعا، وقد ابتلعه أحد المنعطفات.

تحرّكت مع بعض الغاضبين إلى مركز الشرطة، التى فتحت ملفا للقضية بعد أن أودعت الجثة فى المستشفي، وبدأت بالاستماع إلى أقوال الشهود. كنت مهتما بمتابعتها مع من شهد الحادثة. طال الانتظار، ولم يُلقَ القبض على أحد، جراء تدخلات لتمييع القضية ودفنها.

دفعنى الفضول لنقل القضية إلى شيخنا. لكنه استقبلنى ببرود، وتجاوز الأمر كخبرٍ عابر لم يشعل حميته لنصرة الضحية. عندها، اهتزّ شيء ما فى داخلي، وانهمرت الأسئلة: ما سرّ برود الشيخ وغضّ طرفه عن الحادثة؟ لماذا لم يغضب؟

تدريجيا، بدأت الخيوط تنكشف، خصوصا بعد أن همس لى صديق أثق به، مترددا خوفا من ردة فعلي:

– رأيت المراهق يخرج من باب الفلّة المجاورة لنا، بملامح مألوفة أكثر مما تحتمل المصادفة… نعرفه تماما، إنه ابن الشيخ الذى تبجّله يا صديقي.

حينها شعرت كأن جدارا ينهال على جمجمتي. تذكرت ذلك اليوم الذى خطب فيه الشيخ عن حرمة الدماء، بينما كان ابنه ينظّف إطارات سيارته الملطخة بدماء الطفل. شيئا فشيئا، انكشفت الملامح التى كنت أرفض رؤيتها فى عزيزٍ وقدوة كنت أحتذى به.

علمت أنه يمتلك عقاراتٍ وشركات مسجّلةً باسمه وبأسماء الغير، وزوجاتٍ جديدة. أصابنى الغثيان فجأة. لم أعد أطيق صوت حفيف مسبحته المصنوعة من العاج الطبيعى التى أهداها له المرجع الروحي. حتى صوته – الذى كان يهدهدنى كالنغم – صار كخربشة ظفر على زجاج.

عندها فقط، خلعت سذاجتي، وتركت الرمز المتهالك الذى كنت أقدّسه يتحطّم دفعةً واحدة فى ذاكرتي، وأدركت أننى لم أكن سوى صدى فى مسرحٍ يُديره الكبار، أجادوا التحكم بالصغار فى خلوتهم.

زر الذهاب إلى الأعلى